
كتبت | مي الكاشف
تتجه الأنظار إلى انتخابات التجديد النصفي للكونجرس الأمريكي، في ظل تصاعد المواجهة بين واشنطن وطهران، وسط تساؤلات بشأن قدرة نتائج الانتخابات على التأثير في حسابات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب تجاه الملف الإيراني،
وما إذا كانت طهران تراهن على عامل الوقت لتجنب مواجهة عسكرية جديدة أو تحسين شروطها على طاولة المفاوضات.
وفي قراءة للمشهد السياسي والعسكري، يبرز تباين واضح في تقديرات المحللين بشأن استراتيجية إيران، بين من يرى أنها تحاول تأجيل المواجهة إلى ما بعد الانتخابات الأمريكية،
حتى لا تمنح ترامب مكسبا سياسيا قبل الاقتراع، ومن يستبعد أن تكون نتائج الانتخابات عاملا حاسما في تغيير توجهات الإدارة الأمريكية بشأن استخدام القوة العسكرية.
وخلال نقاش على شاشة « الوطن اليوم»، طرح الكاتب والباحث السياسي جعفر سلمان، ورئيس المجلس الاستشاري في جامعة ميريلاند فرانك مسمار، وأستاذ العلوم السياسية بجامعة قم أحمد مهدي، رؤى متباينة بشأن مستقبل التصعيد، وتأثير أسعار الطاقة ومضيق هرمز والضغوط الاقتصادية على القرار الأمريكي.
إيران تراهن على إرباك الحسابات الانتخابية لترامب
يرى الباحث السياسي جعفر سلمان أن طهران تسعى إلى إبقاء المواجهة مفتوحة وتأجيل أي تسوية إلى ما بعد انتخابات التجديد النصفي، بهدف حرمان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب من تحقيق مكسب سياسي يمكن توظيفه انتخابيا.
وأوضح أن رفض إيران لبعض التفاهمات المطروحة يعكس رغبتها في عدم منح الإدارة الأمريكية فرصة لتقديم نتائج المواجهة باعتبارها انتصارا سياسيا، مشيرا إلى أن واشنطن حاولت، من خلال التحركات الدبلوماسية ورسالة نائب الرئيس جي دي فانس، فتح مسار يحقق تقدما قبل موعد الانتخابات.
وفي المقابل، لا يرى سلمان أن تغير الأغلبية داخل الكونغرس سيؤدي بالضرورة إلى وقف التصعيد، حتى إذا تعرض الجمهوريون لخسائر انتخابية، لافتا إلى أن الديمقراطيين قد لا يرغبون في تحمل مسؤولية تداعيات أي تراجع أمريكي في المواجهة مع إيران.
هل يمتلك الكونجرس القدرة على تقييد قرار الحرب؟
من جانبه، اعتبر فرانك مسمار أن الرهان الإيراني على انتخابات التجديد النصفي قد يكون مبالغا فيه، موضحا أن الانتخابات لا تتعلق بإعادة انتخاب ترامب شخصيا، وإنما بمستقبل الحزب الجمهوري وتوازنات القوى داخل المؤسسة التشريعية الأمريكية.
وأشار إلى أن نتائج الاقتراع لا تعني بالضرورة تغيير الحسابات العسكرية الأمريكية، مؤكدا أن القرارات الاستراتيجية لا ترتبط بشخص الرئيس وحده، وإنما تتداخل فيها اعتبارات المؤسسات والمصالح الأمنية والسياسية.
وأضاف أن الملف الإيراني ليس القضية الوحيدة التي تشغل الناخب الأمريكي، إذ تظل الأوضاع الاقتصادية وأسعار الوقود والتضخم من العوامل الأكثر تأثيرا في تحديد اتجاهات الرأي العام، وهو ما يجعل تأثير الحرب مرتبطا بمدى انعكاساتها المباشرة على حياة المواطنين.
مضيق هرمز وسلاح الطاقة في المواجهة
وفي قراءة مختلفة، يرى أحمد مهدي أن إيران تحاول توظيف موقعها الجغرافي وسيطرتها على أوراق الضغط المرتبطة بمضيق هرمز، من أجل نقل جزء من تكلفة المواجهة إلى الولايات المتحدة والاقتصاد العالمي.
وأوضح أن ارتفاع أسعار البنزين والديزل يمثل ضغطا مباشرا على الإدارة الأمريكية، خاصة مع ارتباط أسعار الطاقة بمستوى المعيشة والقدرة الشرائية للمواطنين، معتبرا أن استمرار التوتر في الممرات البحرية قد ينعكس على الحسابات السياسية للبيت الأبيض.
لكن جعفر سلمان اختلف مع هذا التقييم، مشيرا إلى أن الأعباء الاقتصادية التي تتحملها إيران نتيجة تراجع قيمة عملتها وارتفاع الأسعار والخسائر الناجمة عن الحرب تفوق، بحسب تقديره، ما تحاول طهران فرضه من ضغوط على الجانب الأمريكي.
ولفت إلى أن المطالبة بالإفراج عن الأموال الإيرانية المجمدة تمثل أحد الملفات المطروحة في الحسابات التفاوضية، إلا أن حجم الخسائر التي تكبدتها إيران يجعل من الصعب اعتبار هذه المطالب مكسبا كافيا لتعويض تداعيات المواجهة.
الاتفاق النووي.. مكسب سياسي أم ورقة انتخابية؟
وفيما يتعلق باحتمالات التوصل إلى اتفاق قبل الانتخابات، حذر فرانك مسمار من اعتبار أي تفاهم بين واشنطن وطهران انتصارا سياسيا مضمونا لترامب، موضحا أن الاتفاق إذا جاء بصيغة ضعيفة أو أقل صرامة من الاتفاق النووي الذي أبرمته إدارة الرئيس الأسبق باراك أوباما، فقد يتحول إلى نقطة انتقاد يستخدمها الديمقراطيون ضد الإدارة الجمهورية.
كما وضع المواجهة في إطار أوسع يتجاوز الملف النووي الإيراني، ليشمل أمن الممرات البحرية ومصالح الطاقة والتنافس الاستراتيجي بين الولايات المتحدة وكل من روسيا والصين، معتبرا أن إيران تمثل إحدى أوراق الصراع في الحسابات الدولية الكبرى.
في المقابل، تمسك أحمد مهدي بوجهة النظر الإيرانية، معتبرا أن طهران تعرضت لاعتداء غير مبرر، وأن الضغوط الاقتصادية والعسكرية لا يمكن فصلها عن السياسات الأمريكية التي أسهمت، بحسب قراءته، في الوصول إلى التصعيد الحالي.
مفاوضات الدوحة.. المحطة الحاسمة لمستقبل التصعيد
وتبقى المفاوضات الجارية في الدوحة إحدى المحطات المهمة في تحديد مسار الأزمة، وسط استمرار الخلافات بشأن الملف النووي والعقوبات والضمانات المطلوبة لمنع تجدد المواجهة العسكرية.
ويرى جعفر سلمان أن الضغوط الاقتصادية وحدها تحتاج إلى وقت حتى تحقق أهدافها، بينما أسهمت الضربات العسكرية في دفع طهران إلى مسار التفاوض، رغم استمرار الخطاب الإيراني المتشدد.
كما أشار إلى أن تعدد الروايات الإيرانية بشأن التفاهمات يعكس، وفق تقديره، محاولة للحفاظ على تماسك الجبهة الداخلية، مؤكدا أن نتائج التحركات الدبلوماسية في الدوحة ستكون مؤثرة في تحديد اتجاه المرحلة المقبلة.
وحذر سلمان من التقليل من احتمالات توجيه ضربة أمريكية جديدة، معتبرا أن استمرار تعثر المفاوضات قد يدفع ترامب إلى اتخاذ قرار عسكري، إذا رأى أن الخيارات الدبلوماسية لم تعد تحقق أهداف واشنطن.
الوطن اليوم: الانتخابات لا توقف الحرب وحدها
وتؤكد «الوطن اليوم» أن الرهان على انتخابات الكونجرس باعتبارها العامل الحاسم في منع الحرب قد لا يكون كافيا، فالمواجهة بين الولايات المتحدة وإيران تحكمها شبكة معقدة من المصالح الاستراتيجية والاقتصادية والأمنية، تتجاوز الحسابات الانتخابية قصيرة المدى.
كما أن ورقة مضيق هرمز، رغم أهميتها في التأثير على أسواق الطاقة والتجارة الدولية، تحمل مخاطر متبادلة، إذ إن استمرار التوتر قد يرفع تكلفة المواجهة على جميع الأطراف، ويضع الاقتصاد العالمي أمام تحديات جديدة.
وتظل المفاوضات والقدرة على تقديم ضمانات متبادلة العامل الأكثر أهمية في احتواء التصعيد، بينما تبقى الانتخابات الأمريكية مؤشرا على اتجاهات السياسة الداخلية، وليست بالضرورة حائلا أمام قرار عسكري قد تفرضه حسابات الأمن والمصالح الأمريكية.
ويبقى السؤال الأهم: هل تنجح طهران في تحويل عامل الوقت والضغط الاقتصادي إلى مكاسب سياسية، أم أن حسابات واشنطن ستتجاوز صناديق الانتخابات نحو مواجهة عسكرية جديدة؟







